أحمد بن محمد ابن عربشاه
366
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
عظيم كثير الجند والأتباع ، شجاعته مشهورة وشهامته مأثورة ، به يضرب المثل ويشبه كل بطل ، ونحن وإن كان لنا عساكر كالجبال ، تهدم الحصون وتدك القلال « 1 » ، لكن ما جربناه مصارعة الأسود ، ولا مارسنا مقارعة النمور والفهود ، ولا نعرف طريق بلادهم ولا طريقة جدالهم وجلادهم ، وأن لهم في الحروب أساليب وفي أفراس الفرائس أنياب ومخاليب ، فأخشى أن لا تتم هذه الأمور وتقصر حبالنا عن مصادمة ما لهم من قصور ، فيرجع وبال هذه الأمور علينا إذ ابتداؤه أو لا منسوب إلينا ، ولا نحصل إلا على الندامة والتوبيخ والملامة ويخاطبنا الجد الوبيل بما قيل : تبنى بأنقاض دور الناس مجتهدا * دار استنقض يوما بعد أيام وقال المدبر : ولا شك أن جوهر هذا النظام وعقود هذا الكلام ، صادر عن فكر بعيد ، ورأى سديد ، وأمر رشيد ، وتأمل في العواقب مفيد ، أصله الحكمة ، وفزعه الشفقة ، وزهره المعرفة ، وثمره الفطنة ؛ ولكن من حين استولى على الملك كيومرث ، ومرث على سرير التحكيم أصبع الولاية أبلغ مرث وسنّ قواعد السياسة وأسس بنيان الرئاسة ، وذلك زمان الابتداء ، وأول ما تملك على الدنيا ، وإلى هذا اليوم لم يزل القوم من الملوك في روم ، وطلب الزيادة والسّوم ، ولا عتب في ذلك ولا لوم ، وقل لي أي ملك مالك ؛ تحكم في الممالك وسلك فيها المسالك ، ولم يقصد فيها الولايات الشاسعة ولا الأقاليم الواسعة ، ولم يطلب الترفع على الأقران ، وعلو المكان بقدر الإمكان ، والملك عقيم والعاجز سقيم . وكيف يتصور أيها الملك الأكبر أن تكون همة الملك أدنى من همة تاجر في البحر ينهمك ، فإن التاجر إذا افتكر في لذة الفائدة وما يعود عليه
--> ( 1 ) الجبال .